خالد تعلو ألقائدي …. أرواح شهداء ( 14) من آب مشاعل النور في جنات الخلود
في الحقيقة لا اعرف من اين أبدا ، وأي كلمات اختار في كتابة هذه المقالة ، وهل تكفي الكلمات في إكمال هذه المقالة ؟ طبعا لا ، وهل تكفي القواميس في استخراج كلماتي ومصطلحاتي منها وتسطيرها ؟ طبعا لا ، لان كل شهيد من أولئك الشهداء يحتاج إلي صفحات وليس وريقات قلائل كي نتحدث عنهم ، فكم صفحة نحتاج حتى نتحدث عن 313 شهيداًًً ؟ طبعا ليس من حقنا أن ننسى الجرحى والمصابين والأضرار الاقتصادية التي راحت ضحية هذا العمل الإجرامي من قبل أناس يدّعون بالدين والتدين الحاقد ضد أناس بسطاء وهم أول الموحدين على وجه الأرض .
هذه الأرواح الطاهرة والبريئة التي أخرجت طوعاً وإكراها من أجسادها التي تمزقت والى أشلاء تناثرت واحترقت بلهيب النار دون رحمة ، والمجرمون يتظاهرون بالحق ضد الباطل ، وهم في الحق كافرون وفاسدون وزرعوا الفتن والنفاق في الأرض وأمطروا السماء بنيران غضبهم الأسود على المساكين والفقراء ، وتبين حقيقتهم الفاسدة على الأرض وفي السماء ، ولا محال فان مثواهم النار والعذاب الأليم إلى ابد الآبدين ، والشهداء الحقيقيون هم من سيسكنون في الجنة ويكونون مشاعل النور فيها وخالدين بنعمة الرب .
إن كارثة (( ﮔرعزێـر وسيبا شـێـخدرێ )) من أسوا ما أصاب الكورد الايزيدين في هذا العصر والذي نعتبره عصر التسامح الديني بين سائر الأديان ولكن همجية أولئك الذين يدّعون الإيمان والتدين قلبوا الموازين رأسا على عقب ووجدوا ضالتهم التي تتميز بالكفر والفساد في ((ﮔرعزێـر وسيبا شـێـخدرێ )) عندما أقدموا على عملهم الجبان بتفجير أربع سيارات مفخخة بالحقد المتطرف قبل أن تكون مفخخة بالـ TNT والمتفجرات الأخرى ضد الأبرياء والمساكين من الايزيدين في الساعة السابعة عصرا من يوم الثلاثاء الأسود والمصادف 14 / 8 / 2007 .
وأي دين هذا الذي يدّعون به وعلى شريعته يقطعون الرقاب من خلف النقاب والمؤمنون الصالحون بريئون منهم كما الذئب بريء من دم يوسف ، ألا يكفي ما فعل أسلافهم بالايزيدين من الفرمانات حتى يأتي الأحفاد ويزيدون عليه فرماناً أخر ، كأنهم يستذكرون أمجاد ابوالسعود ألعمادي ويعيدون ما أقدم عليه من الفتاوى في قتل الأيزيدية وابن لادن ( ابن لأدين ) يتربع على عرش سليمان القانوني ويعيد أمجاده الملطخة بدماء الأبرياء والقتل عندهم من الحسنات .
إن ما حصل في((ﮔرعزێـر وسيبا شـێـخدرێ)) كان من أبشع الجرائم التي ارتكبها أزلام القاعدة ضد الكورد الايزيدين في شنكال والتي أودت بحياة 311 شهيدا والمئات من الجرحى وبسبب حجم الخسائر الفادحة اعتبرت منطقة منكوبة حيث اختفت العديد من مساكن من على وجه الأرض وقد كان اغلب الضحايا من النساء والأطفال وحتى أطفال الرضع لم ينجوا من هذا العمل الإجرامي وتهدمت البيوت والمحلات على ساكنيها في وقت كانت الطرقات قد ازدحمت بالمارة ، لان فترة القيلولة قد انتهت وخرج الناس من بيوتهم وهم يتجولون بين المحلات والدكاكين والهروب من حارة الصيف لعلهم يجدون الراحة خارج منازلهم بعد يوم عمل شاق منذ ان أشرقت شمس الصباح وهم منهمكون بالأعمال والأشغال ولساعات النهار الطويلة وكان ذلك سبباً في زيادة عدد الضحايا الأبرياء .
لقد امتلأت المستشفيات آنذاك بالجرحى والمصابين بعضهم يصارعون أنفاسهم الأخيرة والبعض الأخر يملأن الردهات بالصراخ ليس من الألم فحسب بل من شدة الكارثة التي حلت بهم ولا يعلمون أين استقرت أشلاء أبناءهم المتناثرة هنا وهناك والأب لا يعلم عن ابنه شيئا وألام تبحث عن أطفالها بين الردهات وهي تنزف الدماء في كل بقعة من جسدها النحيف والبارد برودة الثلج .
إن كارثة ((ﮔرعزێـر وسيبا شـێـخدرێ)) حقاً تعتبر من المآثر التي تستحق التدوين والتذكير للأجيال القادمة مثلما استذكر لنا أجدادنا ما تعرض إليه الأيزيدية عبر تاريخهم الطويل والفرمانات التي ذاقوها على أيدي أولئك الكفرة والمتلبسين بلباس الدين والتدين ، وسوف نسجل أسماء الشهداء الذين راحوا ضحية هذه الكارثة بأحرف من النور الوهاج في كتب التاريخ أينما حللنا وذهبنا ونستذكر معهم أولئك الخيرين والطيبين الذين هبوا لمناجاة الايزيدين في محنتهم هذه ، وقدموا دماءهم تبرعاً لهم وإنقاذهم من الموت الأكيد ، وامتلأت شوارع العالم بالمستنكرين لهذه الجريمة في حق الأيزيدية ن وتوافد الخيرين من كل أرجاء العالم إلى ((ﮔرعزێـر وسيبا شـێـخدرێ)) حتى يشاهدوا حجم هذه الكارثة وما تعرض له أبناء الكورد الايزيدين من دمار شامل في مساكنهم ودورهم الطينية التي بنوها من القش والحصران والطين والناظر إليها قبل الكارثة يجدها ناصعة البياض كأنها جنات الخلد على الأرض وفي ثواني معدودات تهدمت واختفت كأنها لم تكن موجودة منذ الأزل ، والتي تبقت منها لبست السواد كأنها مناجم لصنع الفحم ، وساكنيها أصبحوا أشباحا تلاشوا من الوجود ، واختفت الابتسامة من وجوه الأطفال في لحظة توقفت القلوب عن النبض .
قصة كارثة 14 من آب أصبحت من القصص التي تحكي معنى الاضطهاد والاستبداد والدمار الحقيقي الذي أصاب أبناء شنكال الجريحة والتي لم تتوقف بعدْ نزيفَ جروحها القديمة ، هذه الكارثة التي كانت كالصاعقة على أرواح الأبرياء في ((ﮔرعزێـر وسيبا شـێـخدرێ)) ، وليس هناك جدال أو نقاش حول عدم وجود أحقية هذه التفجيرات وارتباطها بالأخلاقيات التي تنادي بها جميع الأديان وإنما تعتبر من الأخلاقيات الفاسدة التي ترعرعت في عقول منفذيها الذين يناشدون بالجهاد في سبيل الله وهم في الأصل إرهابيون مدمنون على الفساد وزرع الفتن في جميع المجتمعات باختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والمذهبية ، وينحرون الإنسان كالذبائح وينطقون باسم الله علناً وفي الخفاء مجرمون حقيرون .
ومن المؤكد كان هناك تخطيط مسبق وطويل الأمد في تنفيذ هذه العمليات الإجرامية الشنيعة ومن المؤكد أيضا كان هناك من ساعدوا الإرهابيين وسهلوا مهمتهم في تنفيذ مشروعهم الإجرامي ، وإلا فكيف بإمكان أربع شاحنات القدوم من الغرب والوصول إلى قلب هذه القرى الأهلة بالسكان وانفجارها في وقت واحد ، وهي من المؤكد إن هذه السيارات لم تنزل من السماء رحمة للأبرياء .
وبعد ذهابي مباشرة مع بزوغ الشمس في صبيحة يوم الأربعاء إلى مكان الكارثة صدمت وفوجئت ما رأت عيني من الخراب والدمار الذي لحق بهذه القرى وتوقف القلب عن النبض ولكن الدموع تساقطت من عيوني دون السيطرة عليها ، وعندما وقفت فوق الأنقاض لأحدى البيوت والفاجعة سرقت نظرات عيوني بين دهاليز المظلمة لتلك الأنقاض وإذا بي أرى أشلاء متناثرة فيما ، فالأيادي ممزقة عن الأجساد والرؤوس تهشمت بفعل وقوع الأنقاض عليها ، وعوائل بأكملها فقدوا الحياة وهم جالسين بلا حراك من أماكنها .
وهنا انهي مقالتي التي ليس لها نهاية بمقاطع من قصيدة شنكال نافذة الشمس للشاعر الكبير كريم العراقي التي تقول :
شنكال ياصابرة على عصور القهر والعذاب
لا تسمحي لمخلب المغول أن يدنس الأبواب
لأنك المشاعل لأنك السنابل لأنك الجبال والهضاب
فانك أبقى وأقوى من يد الإرهاب
