مراد سليمان علو….حكايات من شنكال “حمّى النشر”
بداية أقرّ بأن الموضوع متشعّب ، ولكنه لا يخلو من طرافة وربمّا بعض الإثارة . في ســـــبعينيات القرن الماضي كانت هناك مقولة مشهورة بين أوساط المثقفين مفادها أن القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ ولا يخفي على القارئ اللبيب إن المعنى مجازي وإن كان فيه شـــــــيء من الصحة ، فربّما في ذلك الوقت كان نصف المتعلمين في مصر على اســـتعداد أن يكتبوا عن ليل القاهرة ، ولعلّ كل رجال الأعمال اللبنانيين كانوا يتحّينون الفرصة للدخول في عالم الطباعة والنشر فهي بالتالي تجارة مربحة ، والسبب واضح فحتىّ نزلاء الشمّاعية عندنا كانوا يتأبطون الكتب .
إذن الأمر تقسيم عمل وممارسة اختصاص إضافة إلى كونه مسألة عرض وطلب ولا إحراج في ذلك فإخراج كتاب يخضع لتقلبات الســــــوق كأية سلعة أخرى وما كان نجيب محفوظ يدفع الرواية تلو الأخرى لدور النشر لو عزف القرّاء عن متابعة أعماله وهذا يدفعنا للمقارنة بين الكتابة الجيدة وتلك التي لا تصلح للنشـــر وكذلك الفرق بين الكاتب الحقيقي الذي تبحث عنه دور النشر ومن يســـتجدي النشر و يدّعي ويصرّ على ماهو عليه دون أن تكون له موهبة تمكنه من الإبداع وربمّا كانت موهبته تخّوله أن يكون بائع فلافل .
من يريد التشـــــــــــبث بالكتابة واتخاذها مهنة له يجب أن يكون موهوبا قبل كل شيء وأن يكون ميّالا إلى القراءة والإطلاع والبحث ومن الضروري أن يمتلك روح المثابرة وتكون أفكاره رائدة .
مشكلتنا في شنكال وربما في أماكن أخرى هي إن بعضنا لا يزال ينظر إلى الكاتب قبل الكتابة ، فهذا فلان وذاك ابن فلان ومما يزيد الطين بّله إن فلانا يشمخ بأنفه بمجرد دفعه كتيبا للمطبعة وقد دفع ثمن الطبع من جيبه الخاص ويبدو إن الحمّى قد أصابت أشباه المغنين الشباب وخاصة في سيبايى فهناك عشرات البوســـــــترات بصّورها الجذابة وإعلاناتها المثيرة حتى إن احدهم قد تجرأ وكتب تحت صورته (الفنان الكبير) ولا أدري ماذا يعني بالكبير أيقصد أنفه أم فنه وشخصيا لا أعرف مغنيا من سيبايى غير دخيل أوصمان والذي ما أن رأى الزغب على جناحيه الطريين حتى طار .
برأي المتواضع لا يجوز تشجيع كل من هبّ ودبّ من أشباه الفنانين والأدباء على النعيق والشــــخبطة وأن لا نخدعهم
بتلاوة أقوال وحكم جوفاء على مسامعهم بل يجب مكاشفتهم بحقيقة إمكانياتهم إلا إذا كان أصحاب القرار لا يفرّقون بين الغث والسمين لأنهم مثلهم قد وصلوا إلى مناصبهم عن طريق الرياء والتزلف ، وشعارهم الوحيد في الحياة هو كلنا في الهوى سوى .
كل هذا يدفعنا إلى تأمل الواقع ومقارنته بالماضي القريب لاستخلاص ماهو مفيد للمسيرة الأدبية والذي يدّعي الأغلبية حرصهم على دفعها للأمام ، وكذلك لا يخفي على المتابع لحركة النشر إن الأمر بات يشكل ظاهرة اجتماعية وبالتالي فهي بحاجة إلى أن يتطرق إليها ذوي الاختصاص من خلال إجراء بحوث ميدانية للوقوف على أسباب ونتائج الظاهرة .
هذه دعوة إلى أصدقائي في خانصور من خريجي العلوم الاجتماعية للنهوض بهذه المهمة وإن كانت عسيرة . فهل من مجيب .؟
قديما قيل مسافة الألف الميل تبدأ بخطوة ، ولكن إذا كان اتجاه سيرك خاطئا وبقيت من المسافة خطوة فعد أدراجك لتريح وتستريح .
مراد سليمان علو muradallo@yahoo.com
